الفساد محرك رئيسي لثورة مصر

آخر الأخبار منذ 6 سنوات و 9 شهور 148
الفساد محرك رئيسي لثورة مصر

 
 
 
 
 
 
 
 
 

اذربيجان ، باكو- وكالة تــرنــد  - الجزيرة-خبر- كان أول تنازل قدمه الرئيس المصري حسني مبارك للمحتجين بعد أربعة أيام من الثورة الشعبية يوم 25 يناير/كانون الثاني هو إقالة الحكومة التي تحتوي على عدد من رجال الأعمال أثيرت حولهم اتهامات بالفساد، وذلك بهدف تهدئة الرأي العام الثائر على تفشي مظاهر الفساد في البلد. ورأى برلمانيون ومسؤولون محللون أن الفساد بمصر بات متفشيا ومنظما.

وعقب الإقالة جرى تحديد إقامة وزراء سابقين ورجال الأعمال ومسؤولين، وتجميد أرصدتهم وتحويل عدد منهم للتحقيق، وسط معلومات من مصادر قضائية بأن ثرواتهم تقدر بعشرات المليارات.

ووصل الأمر إلى نشر تقارير صحفية باتت تشمل رأس السلطة وهو ما كشفته جريدة غارديان البريطانية مؤخرا، والتي قدرت ثروة عائلة الرئيس حسني مبارك بـ70 مليار دولار.

وأفادت تقارير صحفية أن عددا من الشخصيات العامة والسياسية المصرية تقدمت ببلاغ للنائب العام يطلبون فيه التحقيق في ثروة الرئيس حسني مبارك وعائلته والتي قالوا إنها جاءت عن طريق استغلال السلطات والتربح.

جاء ذلك في وقت كشفت مصادر قضائية أن معلومات أولية لجهات التحقيق ذكرت أن ثروة أمين التنظيم السابق في الحزب الوطني أحمد عز تبلغ 18 مليار جنيه (نحو ثلاثة مليارات دولار)، وهناك من يرفعها إلى 40 مليار جنيه.

وبلغت حسابات وزير الإسكان السابق أحمد المغربي، وفق هذه المعلومات التي نشرتها صحيفة المصري اليوم المستقلة، عشرة مليارات جنيه (حوالي 1.8 مليار دولار), ووزير السياحة السابق زهير جرانة 13 مليار جنيه.

أما وزير التجارة السابق رشيد محمد رشيد فتقدر ثروته بـ12 مليار جنيه، بينما تقدر ثروة وزير الداخلية السابق حبيب العادلي بثمانية مليارات جنيه (حوالي 1.8 مليار دولار).

ومنذ تولي حكومة د. أحمد نظيف المقالة الأمور في عام 2004، برز دور رجال الأعمال في السلطة بشكل أكبر من خلال إسناد المناصب الوزارية إليهم، رغم تعارض المصالح مع أنشطتهم الاقتصادية الخاصة التي كانوا يمارسونها قبل تولي الوزارة.

حالة نموذجية للفساد

الخبير الاقتصادي والمتخصص بقضايا الفساد عبد الخالق فاروق اعتبر أن الحالة المصرية تكاد تكون نموذجية في دراسة كيفية تحول الفساد في مجتمع ما من حالات انحرافات فردية معزولة -مهما اتسع وازداد عدد المنخرطين فيها في قمة هرم السلطة- إلى ممارسة مجتمعية شاملة بالمعنى الحقيقي لا المجازي للكلمة.

وأضاف في دراسة له لمركز الجزيرة للدراسات نشرت مؤخرا أنه يمكن التمييز في ظاهرة الفساد بين نوعين، أولها ما جرى تسميته "فساد الكبار" المتنفذين والمتربعين على قمة الهرم الاجتماعي والسياسي، سواء في الفرع التنفيذي (الحكومة) أو التشريعي (مجلس الشعب) أو الأمني، حيث شكلوا شبكات مصالح تتنازع فيما بينها أحيانا، وتتناغم في توزيع المزايا والغنائم أحيانا أخرى.

وذكر أن الثاني هو ما نطلق عليه "فساد الصغار والفقراء" حيث لم تعد ممارسات الفساد والرشوة والوساطة والمحسوبية تقتصر أو تنحصر في "الكبار" وحدهم، بل إنها -وعبر سياسات الإفقار واتساع الفجوة في الدخول وارتفاع الأسعار المستمر وغياب "القدوة" في قمة هرم السلطة والمجتمع وتآكل دور أجهزة الرقابة- قد تسربت إلى ممارسات الناس العادية.

وهناك خسائر بشرية ومالية ضخمة نجمت عن الفساد الإداري والمالي لا ينساها المصريون ارتبطت برجال الأعمال وأعضاء بارزين بالحزب الوطني الحاكم مثل غرق العبارة المملوكة لرجل الأعمال الشهير ممدوح إسماعيل (عضو مجلس الشورى) وأدت لمصرع أكثر من ألف شخص، وعقْد أرض "مدينتي" التي اشتراها هشام طلعت مصطفى وأدت إلى خسائر بعشرات المليارات من الجنيهات.

إدارة الفساد

وفتح ملف أراضي الدولة ملف حصول العديد من رجال الأعمال الأعضاء في البرلمان ووزراء على آلاف الأفدنة من خلال قرارات تخصيص بأسعار قليلة تقل كثيرا عن السعر الأصلي مما مثل إهدارا للمال العام.

وتعليقا على ذلك أكد مسؤول يعمل بجهاز يتبع رئاسة الوزراء للجزيرة نت أن ما أطلع عليه من معلومات يبين أن مصر تحولت خلال السنوات العشر الأخيرة تقريبا من فساد في الإدارة إلى إدارة الفساد.

وأضاف المسؤول -الذي اشترط عدم ذكر اسمه- أن بعض الوثائق التي لدى جهازه تبين أن أحد الوزراء في الحكومة المقالة استولى على أرض للدولة أثناء وجوده بالحكومة، وأنه جرى تقديم الوثائق التي تدينه لأربع مؤسسات سيادية وأمنية منذ فترة طويلة.

وهذا التوصيف بإدارة الفساد لا يبتعد كثيرا عن اعتراف رئيس ديوان رئاسة الجمهورية وأحد أقطاب الحزب الوطني الحاكم النائب زكريا عزمي من داخل مجلس الشعب قبل سنوات قليلة بأن الفساد وصل "للركب" (كناية عن الكثرة) في المحليات.

اغتصاب وطن

ورأى الشاعر والكاتب بصحيفة الأهرام فاروق جويدة أنه حدثت جريمة كبرى بمصر في السنوات الأخيرة بسبب التوزيع العشوائي للأراضي بعد أن تم توزيع ملايين الأفدنة على مجموعة من الأشخاص دون سند قانوني أو دستوري أو إنساني.

وأضاف جويدة في مقدمة كتاب صدر مؤخرا بعنوان "اغتصاب وطن.. جريمة نهب الأراضي في مصر" أن الأراضي المصرية بدأت تسقط فريسة عمليات تخصيص غريبة كان من أخطرها ضياع ثروة مصر من الأراضي. واعتبر جويدة في هذا "الكتاب الوثيقة" أن هذه الجريمة البشعة لا تسقط بالتقادم لأنها جاءت في مرحلة اختلت فيها منظومة العدالة وجعلت مجموعة من الأشخاص ينهبون ثروة شعب.

وعن حجم هذا الفساد قال البرلماني المستقل السابق الدكتور جمال زهران إنه بات مركبا ومنظما من رأس السلطة وعائلته وأصهاره مرورا بطبقة من رجال الأعمال القريبين، مشيرا إلى أن حجم إهدار المال في مجال بيع أراضي الدولة فقط بلغ نحو تريليون جنيه (الدولار يساوي 5.9 جنيهات) في حين تبلغ مئات المليارات في البيع البخس للقطاع العام.

وأضاف زهران الأستاذ بجامعة حلوان بالقاهرة للجزيرة نت أنه تقدم بأكثر من 70 استجوابا من 2005 إلى 2010 بشأن الفساد، ودلل على إهدار المال العام في مجال الأراضي بصفقة أرض "مدينتي" التي بلغ حجمها 8 آلاف فدان وبيعت مقابل الحصول على 7.5% من الوحدات السكنية في حين بلغ سعر المتر نحو 3000 جنيه، الأمر الذي شكل خسارة ضخمة للدولة.

وكان حمدي الفخراني مقيم الدعوى ببطلان عقد "مدينتي" -الذي أيدته محكمة القضاء الإداري- قد أكد في دعواه أن عقد بيع هذه الأرض ترتبت عليه خسارة كبيرة للدولة تقدر بنحو 147 مليار جنيه (نحو 26 مليار دولار) هي عائدات إنشاء المدينة السكنية والاستثمارية من قبل مجموعة طلعت مصطفى.

وأشار الفخراني إلى أن وزارة الإسكان "قدمت تسهيلات غير مسبوقة لشركة طلعت مصطفى المملوكة لرجل الأعمال هشام طلعت مصطفى العضو البارز بالحزب الحاكم، من مد المرافق إلى إعفاء الخامات والأدوات المستخدمة في أعمال المقاولة والبناء من الجمارك"، علماً أن مصطفى مسجون الآن على خلفية جريمة مقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم.

خسائر الخصخصة

والنموذج الثاني الذي ضربه البرلماني السابق زهران -وهو أبرز من واجه قضايا الفساد بالبرلمان- خاص ببيع 50 مليون متر مربع بسعر رخيص لشركة المستقبل للتنمية العمرانية التي بها شكوك عن مساهمة جمال نجل الرئيس مبارك بها. وقال إنه ظل يقدم بيانات عاجلة طوال ثلاث سنوات لوزير الإسكان دون جدوى من الرد.

وفي إطار الخصخصة التي تعرضت لانتقادات شديدة بشأن البيع البخس لشركات القطاع العام، دلل زهران على ذلك بصفقتين على سبيل المثال هما: بيع "عمر افندي" التي كانت قيمتها السوقية 5 مليارات جنيه وبيعت بـ650 مليون جنيه أي أقل من 15% من ثمنه.

وأشار أيضا إلى صفقة شركة إيديال عام 1993 التي بيعت بـ325 مليون جنيه في حين تبلغ قيمتها السوقية 5 مليارات جنيه، مضيفا أن هناك العديد من الصفقات على هذه الشاكلة مثل المراجل البخارية والحديد والصلب.

ثروة آل مبارك

وعما تردد من تقارير صحفية عن ثروة آل مبارك، أكد البرلماني السابق صحة هذه التقارير وأن ثروة العائلة جاءت من عدة مصادر أبرزها السمسرة على الأسلحة وشراء أي شيء والشركات التي تنشأ طبقا لقانون الاستثمار بحيث تلزم المستثمر الأجنبي بإيجاد شريك مصري، ويجري وضع شركاء وهميين على أن يقبض أصحاب المصلحة على ذلك.

وقال زهران -وهو من بين من تقدموا ببلاغ للنائب العام للتحقيق بثروة العائلة- إن لديهم وثائق كثيرة في هذا الصدد وتشمل ابني الرئيس وأصهارهما.

لكن مدير تحرير الأهرام الاقتصادي أنور الهواري شكك خلال مقال له بالأهرام المسائي الأربعاء في تقرير غارديان في ثروة آل مبارك لأنها استندت‏ في معلوماتها إلى ما أسماها صحيفة مجهولة تدعى "الخبر"‏ وأستاذة غير معروفة في العلوم السياسية‏.‏

ورغم تركيز الخطاب السياسي لنظام مبارك على مكافحة الفساد، فإن مصر حصلت على 3.1 من 7 درجات لقياس مكافحة الفساد على مؤشر التنافسية لعام 2010. ويوضح مقياس الحكم الجيد للبنك الدولي أن قدرة مصر على السيطرة على الفساد تتراوح بين 30% و48%.

كما أن التقرير الثالث للجنة الشفافية والنزاهة (التابعة لوزارة الدولة للتنمية الإدارية) الصادر عام 2010 يوضح أن قضايا الفساد على صعيد الجهاز الإداري للدولة، الذي يضم نحو 6.1 ملايين فرد، تبلغ 70 ألف قضية سنويا، يحفظ منها 40 ألف قضية، ويُحكم في أقل من ألفين قضية.

وقد أرجع التقرير هذه الزيادة في قضايا فساد الجهاز الإداري للدولة إلى شيوع الإهمال وانتشار الرشوة وغياب المحاسبة وتضارب الاختصاصات.

الثوار والفساد

وأدى تفشي الفساد في مفاصل الجهاز الإداري إلى شعور أعداد متزايدة من الشعب المصري من عدم جدوى إصلاح هذا الوضع إلا بإعادة بناء هذا النظام من البداية على أسس من العدالة في توزيع الثروات وهو ما صدر عن الكثيرين عقب الثورة الشعبية المصرية سواء على مستوى الثوار أنفسهم أو من دعمهم من نخبة المجتمع المصري.

وما يعزز ذلك هو أن شعار "نريد عدالة اجتماعية" كان يتردد على لسان المحتجين أول أيام الثورة يوم 25 يناير/كانون الثاني الماضي، وتطورت المطالب وتصاعدت حتى وصلت إلى الإصرار على رحيل النظام بأكمله بعد أن اعتبر الثوار رد النظام على مطالبهم غير كاف بل ملتو ويستهدف احتواءهم حتى تفريقهم.

واعتبرت الناشطة الشابة نوارة نجم أن تفشي الفساد كان أحد المحركات الأساسية لشباب الثورة الذين شعروا بأن البلد أصبح لغيرهم من رجال أعمال وأنصاف موهبين وجهلاء ممن اصطفاهم النظام على حساب النابهين الذين انتحر بعضهم أو هربوا من البلد جراء ذلك.

وقالت نوارة للجزيرة نت إن الشعب يدفع ضرائب للدولة ولا يشعر بانعكاساتها على حياتهم، في حين يستولي رجال أعمال ومسؤولون على المليارات من الجنيهات بدون وجه حق. ورأت أن هناك عملية فساد وإفسادا منظما للشعب عبر وضع عقبات أمامهم في المصالح الحكومية لتوريطهم في دفع رشى كي يجري كسر عينه.

التعليقات (0)

كن أول من يعلق على هذا الموضوع.

بإمكانك الدخول بواسطة أسم المستخدم أو بريدك الألكتروني

- أو -

ذات علاقة